الشيخ محمد علي طه الدرة

597

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

المعجزة الخالدة ، ولم يصرّح باسمه الكريم لتفخيم شأنه ، كأنه العلم المتعيّن لهذا الوصف ، المستغني عن التعيين ، ولا تنس ما في الآية من الالتفات الذي أذكره ، وخذ ما يلي : فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من نبيّ من الأنبياء إلّا وقد أعطي من الآيات ، ما مثله آمن عليه البشر ، وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » متّفق عليه . وعن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرّعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة ، فليصلّ ، وأحلّت لي الغنائم ، ولم تحلّ لأحد قبلي ، وأعطيت الشّفاعة ، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة ، وبعثت إلى النّاس عامّة » . متّفق عليه . وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ : الحجج الدّامغات ، والمعجزات الباهرات ، وهي : إبراء الأكمه ، والأبرص ، وإحياء الميّت ، وغير ذلك ممّا ذكر في آل عمران ، وسورة المائدة . وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ : قوّيناه بجبريل عليه السّلام ، رواه أبو مالك ، وأبو صلاح عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، ومعمر بن قتادة ، وقال حسّان - رضي اللّه عنه - : [ الوافر ] وجبريل رسول اللّه فينا * وروح القدس ليس به خفاء قال الحسن البصري - رحمه اللّه تعالى - : إنّما سمّي جبريل : روح القدس ؛ لأنّ القدس هو اللّه ، وروحه جبريل ، فالإضافة للتشريف ، وقال الرّازي - رحمه اللّه تعالى - : وما يدلّ على أنّ روح القدس جبريل ، قوله تعالى في سورة ( النّحل ) : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ وقال النّحاس - رحمه اللّه تعالى - : سمّي جبريل روحا ، وأضيف إلى القدس ؛ لأنه كان بتكوين اللّه عزّ وجلّ له روحا من غير ولادة والد ولده ، وكذلك سمّي عيسى روحا لهذا . هذا ؛ والقدس : الطّهر ، وعيسى مأخوذ من العيس ، وهو بياض يخالطه شقرة ، قاله أبو البقاء ، أما مريم فهي بالعبرية بمعنى الخادم ، ثمّ سمّي به كثير من النّساء ، ومريم في لسان العرب هي الّتي تكره مخالطة الرّجال ، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم ابنة عمران ، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا . هذا ؛ وفي القاموس المحيط : المريم هي التي تحبّ مخالطة الرجال ، ولا تفجر ، وهذا يناقض ما قبله ، قال الشاعر : [ الطويل ] وزائرة ليلا كما لاح بارق * تضوّع منها للكساء عبير فقلت لها أهلا وسهلا أمريم ؟ * فقالت : نعم من أنت ؟ قلت لها : زير وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ : المراد به ما وقع ويقع بين أتباع الرّسل من الاختلافات ، والمنازعات التي تؤدّي في كثير من الأحيان إلى الحروب الطّاحنة ، وبيّن ربنا جلّت